ابن قيم الجوزية

227

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) [ طه : 92 ، 93 ] وقال الشاعر : أمرتك أمرا جازما . فعصيتني * فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فالفسق أخص بارتكاب النهي ، ولهذا يطلق عليه كثيرا . كقوله تعالى : وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [ البقرة : 282 ] والمعصية أخص بمخالفة الأمر كما تقدم . ويطلق كل منهما على صاحبه . كقوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف : 50 ] فسمى مخالفته للأمر فسقا . وقال وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] فسمى ارتكابه للنهي معصية . فهذا عند الإفراد . فإذا اقترنا كان أحدهما لمخالفة الأمر ، والآخر لمخالفة النهي . و « التقوى » « 1 » اتقاء مجموع الأمرين . وبتحقيقها تصح التوبة من الفسوق والعصيان ، بأن يعمل العبد بطاعة اللّه على نور من اللّه ، يرجو ثواب اللّه . ويترك معصية اللّه ، على نور من اللّه . يخاف عقاب اللّه . وفسق الاعتقاد : كفسق أهل البدع الذين يؤمنون باللّه ورسوله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم اللّه ، ويوجبون ما أوجب اللّه ، ولكن ينفون كثيرا مما أثبت اللّه ورسوله ، جهلا وتأويلا ، وتقليدا للشيوخ ، ويثبتون ما لم يثبته اللّه ورسوله كذلك . وهؤلاء كالخوارج المارقة ، وكثير من الروافض ، والقدرية ، والمعتزلة ، وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم . وأما غالية الجهمية : فكغلاة الرافضة . ليس للطائفتين في الإسلام نصيب . ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة ، وقالوا : هم مباينون للملة . وليس مقصودنا الكلام في أحكام هؤلاء . وإنما المقصود : تحقيق « التوبة » من هذه الأجناس العشرة . فالتوبة من هذا الفسوق : بإثبات ما أثبته اللّه لنفسه ورسوله ، من غير تشبيه ولا تمثيل ، وتنزيهه عما نزه نفسه عنه ونزهه عنه رسوله ، من غير تحريف ولا تعطيل . وتلقي النفي والإثبات من مشكاة الوحي . لا من آراء الرجال ونتائج أفكارهم التي هي منشأ البدعة والضلالة .

--> ( 1 ) من تأمل كلمة « التقوى » في كلام اللّه سبحانه وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم وكلام العرب ، وقد سلم من التقليد وترديد الكلام بلا تدبر - علم أن « التقوى » هي أن يأخذ العبد من كل ما أعطاه اللّه ربه وقاية له من كل ما يكره ويخاف من الخيبة والخسران في الأولى والأخرى ، ويتحرى بكل يقظة وهدى وبصيرة أن يجعل منه سببا لفلاحه في الأولى والأخرى ، مؤمنا بأن كل ما آتاه ربه في نفسه وماله وولده وما سخر له : صالح أن يكون سببا للفلاح وسببا للخسران بل القرآن نفسه كذلك وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً فضلا عن غيره . ولذلك أوصانا اللّه ربنا أن نعوذ به ونلجأ إليه حال تلاوتنا لكل كلمة من القرآن من الشيطان الرجيم ، حتى لا يضلنا في فهمها على وضعها الذي أراد اللّه لنا منها فنكون من الخاسرين . فأولى أن نستعيذ به ونلجأ إليه سبحانه عند مخالطتنا لأولادنا وأموالنا وأهلنا . وفي كل حركة وشأن من حركاتنا وشؤوننا .